46 خشية-الله-عز-وجل-الجزء-الأول

خشية الله عز وجل (الجزء الأول)



درسنا البحث الأول ذكر الله ﷻ تفرع من ذكر الله بذرة تُغرس في القلب تُنبت شجرة المراقبة ، وشجرة المراقبة تحمل ثمار الخشية. اليوم البحث خشية الله ﷻ نتكلم بتوفيق الله، حالة الذكر لِمن ذكر الله ذكراً كاملاً أن تتذوق هذه المراحل الثلاث.
١ - الذكر حضور مع الله
٢ - مراقبة دائمة لله
٣ - ثم الخشية من عظمة الله ﷻ
الخشية قليل من بحث بها ، وقليل من ذكرها لأنها جوهر قليل ، والجوهر الغالي لا يعمل به إلا قليل مِن الجوهرجية ، فلعل الله أن ينفعني وإياكم بالخشية. الخشية هي انكسار القلب مع دوام الانتصار بين يدي الله ﷻ وهي مِن صفات العالِمين والعابدين والمحسنين.
انكسار القلب بين يدي عظمة الله مع دوام الانتصار، والخشية أن يفتقر القلب إلى الله ﷻ . بالإفتقار والإنكسار والتذلل والإلتجاء ، وهو قائم بين يدي الله يتعبد بكل صفة وقوة ونشاط. الخشية لا توقع في الانسان ذلاً ولا تجعل في الانسان إنحناء ولا ضعفاً، والإنتصار هو الطاعة والعبادة بالوقوف بين يدي الله ﷻ . الخشية صفة روحية لا جسدية ، الجسد يبقى مع العبادة والطاعة منتصباً قائماً من غير ذل ولا انحناء ، إنما إنكسار القلب يعني إفتقار العبد إلى الله بروحانيته بقلبه. لا يرى أن له في الحياة عبادة ولا طاعة إلا بتوفيق الله ﷻ ، لايرى لنفسه عملاً إلا بتوفيق الله ، فتجد صاحب الخشية ذليل بين يدي الله عندما يكون وحده ، أما مع الخلق لايدري به أحد ، بين الناس منتصب بقيامه للعبادة وللطاعة وبنشاطه وقوته وصحته ، ولكن قلبه بين يدي الله ذائب لا وجود له هذه الخشية.
في ناس يظنوا أن الخشية إنحناء الذات وانحناء الظهر صار صاحب خشية هذا خطأ الطريق ولا يدري كيف يسير ، ليست الخشية صفة من صفات الجسد ولا من صفات الرأس إنما هي حالة من حالات القلب عندما يتذلل ويفتقر إلى الله ويشعر أنه ذليل بين يدي عظمة الله ، عندما يمتلأ بخشية الله ﷻ. والخشية لها عدة معاني : أولاً المريد عليه أن يبدأ بإنكسار القلب بين يدي الله وهذا يكون في ظلمات الليالي عندما يكون وحده ، أما عندما يتذلل بين الناس فهو يصبح رياء . لذلك الصحابة رضوان الله عليهم كانوا في ظلمات الليالي بكائين من خشية الله بين يديه متذللين . تجد أحدهم كالحلس البالي ( الجلد المدود على الأرض ) تجدهم في الليل منكسرين متذللين ، كأنهم لا يملكون من حياتهم ذرة. أما إذا أصبح الصباح يجلسون معاً يضحكون ويتسامرون كأنه لم يحدث شيء ، ويتمازحون بالبطيخ لا تدري ما جرى معهم في الليل . مع هذا الوقوف بين يدي الله يكون منكسر القلب يقف للطاعة والعبادة .متذللين مع الله ومع الخلق أبطال ، كانوا في الليل رهباناً وفي النهار فرساناً . هذه الخشية التي كانت في التذلل . أما إذا نقل الإنسان عمل الليل إلى النهار يُعتبر مرائياً ، وطاعته لا ترفع إلى السماء . إذاً أول صفة من صفات خشية الله إنكسار القلب مع دوام إنتصاب الجسد ، مع الله لا وجود لهم فناء في فناء . ما هذه الحال التي بينهم وبين الله ؟ لذلك تجد الناس منهم في راحة ونفوسهم في تعب لا يُريحوها ولا يُنَعِّموها ، نفوسهم في تعب والناس منهم في راحة. المعنى الثاني : الخشية خوف يشوبه التعظيم ، وأكثر ما يكون ذلك على علم بما يُخشى منه ، من الذي تخشاه ؟ الله ﷻ ، هذا عارف بالله عرف عظمة وقدرة وجلال الله، فخاف أن يَطّلِع الله عليه فيراه مشغولاً بغيره أو مُلتفت أو مائِل للغير ، فتجده في خشية دائمة.
الخوف فيه رعب تخاف أن هناك شيء سيؤذيك أو يضرك . الخشية هي خوف مع تعظيم أن يراك على ما لا يُحب .
مثلاً ( تعالى الله عن الأمثلة ) أنت تخاف من والدك ، إذا كنت جالساً في البيت ودخل والدك فوجدك تعمل عمل غلط تخاف أن يضربك ويعاقبك هذا اسمه الخوف . أما إذا كنت جالساً وقالوا لك أتى الشيخ تتأدب خوفاً ولا خشية ؟ إذا كان لك محبة تهابه أن يراك على خطيئة. هذه اسمها خشية . أما إذا كان لا يوجد محبة هذا اسمه خوف . خوف مع محبة لِمن تخاف منه مقرونة بالتعظيم . تُعظم الله عن أن يراك على ما لا يريده ، الحب الإيماني لا الحب الشهواني . تخشى أن يراك على خطيئة أو ناقصة ... مثلاً كان يدخن السيجارة رأى والده يرميها خوفاً ، أما إذا رأى الشيخ يرميها خوفاً ولا خشية ؟؟ هذه هي الخشية . إذاً صاحب الخشية : أخذ حالتين لوصوله للخشية ،
١- الحب لله مع التعظيم ( خوفٌ وحبٌ )
٢ - وخوف الله مع التعظيم .
صار عنده الخشية أن يراه على حالة لا يرضاها ولا يحبها ، وهذه أعظم مِن الخوف بكثير .
الخوف يخاف من ضرب أو تعذيب لا عقوبة ( لا يخاف )
لكن هذا خاف حباً ، حباً من حبه ليس حب حبيبه ، يراه على حالة لا يرضاها. أنت غضبت مثلاً وعندما يأتي الشيخ عندك هل تقابله وأنت غضبان ؟ يتقّلب حالك ، انقلبت الحالة مِن غضب إلى هيبة . بينما إذا جاء أخاك تقابله وأنت غضبان ( لا تواخذني معصب طالع خلقي ) هذه العظمة وهذه الخشية أن يراك الله عن أمر لا يريده .
هذه الخشية ثمرة من ثمرات المراقبة ، ذكرت الله ﷻ فحيا قلبك بالذكر ، أصبحت تراقب الله في كل حال هذه المراقبة تثمر عندك أن تخشى الله في كل حال ، لأن قلبك ذاكر الله ﷻ .
مع ذكر الله تحب قلبك أن يكون حاضر مع الله أي طرفة ، مع نظر الله إلى القلب يجده حاضراً مع الله ، هذه الخشية صفة خاصة من صفات العارفين بالله .
الخشية أخص مِن الخوف ، الخوف خاص تشعر بأن هناك إيذاء يأتي إليك ، أما الخشية فهي خاص تأتي للعارفين بالله .
الذين قال الله ﷻ فيهم (إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
لماذا العالِم أصبح من أهل الخشية ؟ لأن بالعلم عرف به خشية العلم ، وبالقلب عرف به هيبة الله ؛ وذكر الله ﷻ ،
فاجتمعت الهيبة والعظمة ، فخشى طرفة العين أن تطرف والله ينظر إليك . دائماً يحاسب نفسه أن ينطق كلمة . إن نطق كلمة استغفر واعتذر ، وإن نظر نظرة استغفر وتاب ، وإن مال قلبه طرفة عين بكى وندم .
هذا صاحب الخشية مع أنه القلب لا يغيب طرفة عين فهل تقول أنه ملاك ؟ نقول صاحب الخشية أرقى من الملاك ، فالملاك مفطور على العبادة . أما صاحب الخشية تذللت إليه الدنيا ولكنه أغمض عينيه عنها ، تذللت إليه الحياة والشهوات ولكنه أغمض عينيه ، فلم يلتفت إلى ملذة في الدنيا ولا شهوة في النفس ولا لطلب في الآخرة لا يريد ما يطلبه رضاء الله وحده هذه خاصة من الخواص ابتعدت ولم يكن لك وصال مع الله ﷻ أصبحت في غفلة ، ومن وقع في الغفلة دامت له الحسرة . أي حسرة ؟ لا فقد مال ، حسرة فقدت الله ..
لو إن إنسان حضر مع الله ٦٠ سنة ثم افترق عن الله طرفة عين لكان ما فاته أعظم مما حصل عليه في ٦٠ سنة . إذا دقيقة بدون نفس تشعر بضيق هكذا أهل الله ؛ لا يغفلون عن الله طرفة عين . لو غابوا عن الله لماتوا لذلك سلكوا طريق المراقبة من عدة طرق .
واحد من الكبار له ولد قال له يا ولدي أتحب أن يكون الله معك حيث ما كنت ؟ قال نعم ، قال كرر كل يوم ( الله معي - الله شاهدي - الله ناظر إليّ ) كررها عشرة أيام ، ثم قال لوالده لم أشعر بشيء ، قال كررها ٧ مرات كل يوم ثم ١٠ مرات كل يوم ثم ٧٠ مرة كل يوم ، ثم أتى بعد ذلك ولده وقال والله وجدت في قلبي لذة لو وقعت من جبل ما شعرت بِألم ... ( هذه تربية )
هل أنت معه ؟هل أنت تراه؟ قدح في قلبه زناد الخشية ، أصبح مع الله في كل حال .( هذه التربية )
ما الفرق بين الخوف وبين الخشية ؟
الخوف : سببه الذل بين يدي من يخافه .
والخشية : خوف سببه عظمة من يخشاه .
هنا خوف سببه عظمة من يخشاه ، وهناك ذل بين يدي من يخافه ... هذا يريد أن يضربه هذا خوف ذل .
أما مع الله ﷻ قل له عُبيدُك الذليل بين يديك . العبودية شرف وعز وكرامة ، أنا لما انتسبت إليك شرف أن أصبح عبداً لك أتشرف بين يدي عظمته لأنه غني عنك وعن عبادتك وعن تذللك وحياتك ، فلما كان غنيٌ عنك لا يحتاجك ولا إلى طاعتك لذلك أنت المحتاج إليه وإلى رحمته . تخشاه وأنت تخشاه بشرف التذلل بين يديه . هذا الفرق بين الخوف والخشية .. الله يُخيف ؟ لا يا ولدي الله الرحيم أرحم الرحماء ﷻ .
أسألكم هل الدولة بتخوف ؟ بتخوف المجرم ، أما إذا شخص لا جريمة لديه لا يخاف ، لم يفعل شيء ليخاف من الدولة . إنما لو كان مجرم دائماً يتلفت يميناً وشمالاً هل رآه أحد ؟
مع الحب في عز وكرامة الإنتقام لمن أساء ، لكن الرحمة والحنان لمن أحسن ، فكن محسناً لا يصيبك من العقاب شيء فلا تخشوا إلا الله ، ولا تشعروا إلا بالله ﷻ
لذلك لما كانت الخشية هي شعور بالعظمة بين يدي الله ﷻ ، كان العلماء أكثر خشية من الله ، فهم عرفوا عظمة الله فخافوه إجلالاً وهيبة لا لذل منهم بل لعظمته ...
هنا تقربوا إلى الله هيبة، فأنا عندما أقول لك أذكر الله أنت وتذكر تلاحظ جلال وهيبة الله تملأ الوجود ، تملأ الكون من غير حد ولا صفة ، يقشعر جلدك ( هنيئاً لك أنت من أهل الخشية ) .
لذلك الله ﷻ ذكر الخشية بالقرآن مُقيدة بثلاث ، مُقيدة ( باسم الله - والرب - والرحمن )
قال الله ﷻ في سورة التوبة ( وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ) هنا خشية الذات لأن الوقوف بين يديه بإقام الصلاة ، أدفع المال تدفعها للصفة أو للذات ؟ تدفعها للذات هنا الخشية .
وقال ﷻ ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ) هنا كذلك الخشية للذات فالمراد لهذه الآيتين أن لا عظيم كعظمة الله ﷻ . فكل عظمة في الحياة فانية نقول صاحب الجلالة صاحب العظمة هذه فانية ، إذا آتاه الموت فُنيّ في التراب .
أما العظمة الخالدة الباقية التي تملأ الوجود من عظمة الله ﷻ ، لذلك ولم يخشى إلا الله يخشى ذات الله جلال هيبة عظمة الله أكبر .
فإذا الصلاة مع هذا الجلال هذه صلاة خشية أم خشوع ؟ إذا دخل في صلاتك الهيبة والجلال انتقلت صلاتك إلى الخشوع ، وإذا كان مع الذكر سُميت خشية ، خشوع وخشية ، لأن الخشوع أنت تحدثه وفي حديثك معه تخشع بين يديه لعظمته ، أما الخشية في حالة الذكر عندما تذكر ما في حديث ، إنما تشعر بالجلال فتقف بين يدي عظمته والوقوف بين يديه من غير محادثة إسمه خشية . هذا اسم الله ﷻ قرنت بالخشية .
أما الخشية مع اسم الرب قال ﷻ في سورة الرعد (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) وفي سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ )
لماذا ذكر اسم الرب في الخشية ؟ اسم الرب مرت في القرآن المراد منها عظمة الله ؛ الذي رباك في رحم أمك رباك حيث لا تمتد يد ولا يراك بصر ، رباك لعنايته ورحمته ، فكلمة رب ؛ تدل على عظمة خفية لا يدركها عقل محدود ، هذه العظمة الحقيقية التي ركبت خلقك في بطن أمك ومدت عظامك ، هذه العظمة لا تُدرك بعقل محدود ولا بصر محدود . هذا اسم الرب لذلك يخشون ربهم الذي خلقهم ( خلق فسوى )
( الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ *
[سورة الانفطار 7 - 9]
هنا تدل الخشية على عظمة الرحمة والعناية الإلهية التي أحاطتك في بطن أمك ، ماذا صار لك لولاها كيف ستكون عيونك يداك ...؟
( يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ )
[سورة آل عمران 6]
لذلك الحمدلله أنه أحسن خلقنا هذه معنى الرب.
أما ما ذكر بمعنى الرحمن فقد قال ﷻ
(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ )
[سورة يس 11]
هنا ( اتباع العاِلم - اتباع الذاكر ) الإتباع خشية الرحمن يعني أنا مذنب مقصر أريد أن يأخذ بيدي أن يحبني ، هنا الرحمة .
تريد رحمة الله ﷻ ؟ذكر الخشية مع الرحمن قال ﷻ (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ)
[سورة ق 33]
خشي الرحمن بالغيب لم يره .. فخشية الرحمن هي حنان ورحمة من الله إليك ، ليدلك على أنه هو المنعم ، بالنعم الصغيرة والكبيرة الرحمن الرحيم هو المنعم .
معنى آخر للرحمن (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ) لعل المراد أن الله ﷻ أراد أن يذكر أهل الخشية تذكير منه ﷻ أنها ليست صفة رعب أو فزع لأنها موصولة بالرحمة .. فلا تخاف ولا تفزع ، إنما رحمة من الله ﷻ .
هذه بالنسبة للخشية
المعنى لذلك كله أيها المؤمن أن لك أعداء محيطة بك ( النفس - والهوى - والشيطان - والدنيا ) .
هذه الأعداء تريد بُعدك عن الله وغفلة قلبك عنه فكن مع الله ﷻ متأدباً بعظمته ولا تخشى مع الله أحد ، ولا تحسب حساب أحد ، ولا يؤثر عليك كقول الله ﷻ ( أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
[سورة التوبة 13]
فلا النفس تضلك ولا الهوى يرديك ولا الشيطان يوسوس لك ولا الدنيا تجذبك إليها .. متى ما ملأ قلبك بعظمةالله ﷻ لا يوجد مكان للحقير...صح؟ .
ما رأيك تأخذ ليرة سورية ولا مائة الف ليرة؟؟ . إذا حصلت على العظمة ، الصغير لم يعد له قيمة ، الشيطان أحقر ما يكون ، عندما يكون قلبك معلق بالله الدنيا لا وزن لها جناح بعوضة ، الهوى لا يُعبد من دون الله ﷻ .
النفس لها كبريائها وعُجبها ما دامت مع غير الله . فإذا التجأت إلى الله مات عُجبها وكبرياؤها فأنت فناء والله بقاء فكن بين يدي الله ﷻ الباقي بفناءك اللهم ارزقنا البقاء بك بعد الفناء فيك .
متى ما فني قلبك بالله تلاشت الدنيا أمامك من الأعداء الأربعة ( وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ )
[سورة التوبة 98].
كل عدو منهم يريد أن يبعدك عن الله ، أكثِر من ذكر الله حتى تشتد المراقبة في القلب فتنبت الخشية . عندها نقول لكم ( اتخشونهم ) تخاف من الأعداء ( وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) .
أما متى ما كنتم مؤمنين
( إنّ الله معكم ) فلا عدو ... الأعداء كلها بالنسبة لعظمة الله ماذا تكون ؟
السؤال ؟ ( النفس والهوى والشيطان والدنيا ) وجدوا في الدنيا ولا في الآخرة ؟ والدنيا لا تساوي جناح بعوضة . إذاً أين هؤلاء الأعداء بالنسبة لعظمة الله ﷻ ؟ تلاشوا أمام العظمة . إذا الاعداء موجودين في الدنيا لا وجود لهم في الآخرة ، إذاً كن مع الله فالله معك في الدنيا وفي الآخرة ، ولا تميل إلى غيره قال ﷻ ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ )
[سورة المائدة 3] . هذا من القرآن( اليَومَ يَئِسَ مِن دِينِكُم ) يعني من حبكم إليه فلا ( تَخشَوهُم وَاخشَون ) ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فضل الله علينا ( وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) القرآن لما نقرأه لما يتناسب معه في لله لذة .
نحن مع الأعداء ( الاربعة ) كل عدو له سلاح فتاك عم ينتظروا فيك ، لكن لك ملجأ ومنجى واحد الله ﷻ ، فإذا التجأت ورجوت الله كل أعدائك أصبحت متلاشية لا وجود لهم .
( والله أعدائي أصبحوا كتار ) هل هناك أشد أعداء من هذه ( الأربعة) . مؤمنين إن الله معنا ، يكيدون لنا يتآمرون علينا ، عندما تعلق قلبك بالله محباً لله وذاكراً لله ( اليَومَ يَئِسَ) وقال
ﷻ ( ولا تخشوهم واخشون ) الله أكبر إذا خشيت الله ووصلت إلى الخشية ( اليوم أكملت لكم دينكم ) وامتلأ قلبك بالخشية لا انشغال بغير الله ﷻ .
فالإسلام هو الأنقياد إلى الله بكليتك ، هذا القرآن ، هذه الآيات ، هذه الخشية لا إله إلا الله .
أحبابي من الذي ينتفع بالخشية ؟ هل يا ترى كل الناس تنتفع بها ؟ لا يا ولدي أهل الخشية أهل الخواص ( الله يجعلكم من أهل الخواص) في عوام وفي خواص ، وفي خواص الخواص ( الله يجعلكم ... )إذا وصلتوا للخواص نعمة . من الذي ينتفع بالخشية إقرأو القرآن يدلك على من ينتفع ، الذي ينتفع بالخشية هم :أهل القرآن
( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَىٰ)
[سورة طه 1 - 3]
تذكرة ...القرآن وعلومه لأهل الخشية .. متى ما أصبحت من أهل القرآن ترى فيك الخشية ، إذا قرأت آية من القرآن يقشعر لها جلدك ويرتجف لها قلبك وتدمع لها عينك خشية من كتاب اللهﷻ .
نقرأ القرآن لنفقه كيف تكون الخشية يجب أن تطبع الخشية في قلبك .
لذا كم واحدة أعطيتكم عن الخشية ، لعل الله يرزقكم الخشية،
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
[سورة النور 52]
إذا أردتم الخشية اعملوا بالذكر لا تغفلوا عن ذكر الله أكثروا كل صباحكم بالذكر هذا المجلس مجلسكم مجلس الذكر ،تذكرون عظمةوهيبة وخشية الله ﷻ . كل يوم ذكر صباحاً وفي النهار التفتوا إلى قلوبكم دائماً اشعروا ان الله معكم في كل حال .
الله يجعلني وإياكم من أهل الخشية ... اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك .
رجائي بالله أنا وضعت عندكم اسم الله وديعة لا تتركوا ذكر الله ﷻ .
وهذه وصيتي لكم في حياتي ومماتي ، من أراد اللقاء بنا يوم القيامة عليه أن يكثر من ذكر الله وأنا أقول وقد قلتها للاولاد للزوجة وأقول لكل من يحب ليس بيني وبين من يغفل عن ذكر الله لقاء يوم القيامة ، لقائي مع من يذكر الله ﷻ ، نلتقي في الدنيا والآخرة على ذكر الله ونرجوا أن نكون في جوار من أحبنا ... اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه .
لا يصل إليها إلا أهل الكمال بعد ذكر السنين الطوال والمراقبة الطويلة، لا ميل لقلبه لغير الله لا حب لسواه ولا انشغال لغيره ﷻ
هو الأول والآخر والظاهر والباطن، الله معه على كل نفس على كل طرفة عين مع هذا الحال تجد أنه مراقب لعينه ، ما هذا الحال الذي صار عليه ؟ يشغله عن العمل عن الطعام والشراب ، قلنا انكسار القلب مع انتصار الجسم : هي حالة روحية تسيطر عليه .
مثلاً فلان خطب وانعقد العقد وزوجته ملأت دماغه بجماله وشكلها ولينها وعطفها إنشغل بها . يا ترى عندما يذهب إلى عمله كم ينساها لا ينساها ، هي بخياله .. يعمل وهي في خياله لأنه صدق في حبه ووجد منها الحنان لم ينسى محبوبته. أما العارف بالله وجد عطف وحنان وقرب الله ﷻ إليه فأصبح في كل لحظة يتفكر بهذه العظمة بخالفه.. إذا إنسان فقير أعطيناه نصف مليون ليرة ووضع المال في البيت ونزل إلى السوق ( حباً لله ) أين يكون عقله دائماً خائف من أن يأتي أحد إلى البيت أو أمراته رأت الأموال لم يعد يفكر إلا بهم . إذاً الحب عندما يُهيمن على هذا القلب لا يفكر إلا بهذا الحب.. فالعارف بالله من شدة الذكر وكثرة العِلم بمعرفة الله ﷻ هيمن هذا الاسم على قلبه ونفسه ولم يُشغَل بغير الله طرفى عين تجده أن جلس لطعام أو شراب مع الله في كل حال ، مرة بسم الله سبحان الله دائماً اللسان في حالة ذكر هذه حالة من حالات الخشية ، خشية الله ﷻ في القلب أعطته هذا الحال . هذه الخشية من الله في القلب أعطته العِلم اللدني متى ما خشى الله ، خشيتة تقدح في قلب العلم اللدني الذي لا يحويه قلم ولا قرطاس .
إذاً العلم لا يُعرف في كتب أو قرطاس لا يحتوي ( العلوم اللدنية الروحية ) تأتي في لحظات الحاجة إليها فتبهته في جواب يُبهت السائل ، هذه العلوم اللدنية . من أراد فتح باب العلوم اللدنية فلا بد له من كثرة الذكر ،حتى تشتد المراقبة عنده ، ومتى ما اشتدت المراقبة أثمرت خشية الله ﷻ ومتى أدرك الخشية فتحت له أبواب العلوم ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) .
هناك أناس تكون الخشية لهم لجام ؛ لجام يوقف المؤمن عن الركض في ميادين الهوى وزمام يجر إلى استدامة التقوى .
التقوى أن يراك الله حيث أمرك وأن لا يراك حيث نهاك .
فزمام ولجام يجرك دائماً إلى التقوى ، أن تراقب الله ﷻ عند الفرح والترح والنعمة والنقمة ، إن خَشِي الله لا يقع في معصية ولا خطيئة . ما هي إلا لجام يشده كي لا يميل إلى الهوى والشهوة ، وزمام كي يبعده عن كل ما سوى الله . هذه حالة أهل الإيمان ، غير حالة أهل المعرفة .
الخشية ما هي إلا جذبة تجذبك إلى الله من كل محبوباتك وشهواتك ، إذا أصبحت لديك هذه الجذبة بدأت بالخشية ، انجذبت ونفسك دخل فيها هيبة وجلال وعظمة الله ﷻ من هنا تصل إلى حال فأصبحت من أهل الوصال ، إن قلت يا الله أهتزت السموات والأراضي ، له مقام لا يدرك عباده إلا بهذا الطريق : ( ذكر - مراقبة ) تثمر خشية .
الخشية من الله بشير الوصال ، ومن غير الله نذير الفرقة .عندما تحصل على جزء من الخشية والمراقبة تنمو في القلب . كلما زادت متى ما بقي ذكر الله ﷻ موجود متى ما بدأت فيك الخشية ، بدأت فيك الوصال إلى الله ﷻ، وصال قلب بجلال وهيبة الله وعظمة الله يمتلأ القلب . فالخشية من الله تبشرك بالوصال ، طبقت الآية عملاً ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) إن كان هو معي أين ما أكون يجب أينما أن أكون معه أين ما يكون كان الله أنيسه وجليسه وحديثه . أما الخشية من غير الله : تخاف غيره وتخشى غيره فهي نذير الفرقة

المشاركة